الأسبوع الماضي و لظروف إضطرارية كان علينا , أنا و أخواتي و أبي , العيش لفترة بدون أمي و بما أني أكبر خواتي فكان واجب علي تولي المهام الإدارية المنزلية بما فيها الطبيخ. ـ
في شغلة كانت دايما والدتي تتقّل و تستصعب منها. كانت دايما تحكي الطبيخ كوم و إني أعرف شو أطبخلكم كوم تاني. الصراحة ما إكتشفت حقيقة اللي بتحكيه إلا لما مسكت زمام الأمور و شفت كيف كل واحد في البيت بعجبه أكلة و اللي بعجب أبوي مثلا ما بعجب أختي و بالعكس. كل واحد بذوق و كل واحد برأي و من الصعب إنك تجمع الكل على طعام واحد بدون تذمر مع محدودية المصادر الغذائية في بعض الأحيان. فعشان هيك مرة من المرات كانت النتيجة إني طبخت تلات طبخات في نفس اليوم! وحدة منهم كانت شوربة بتشبه شوربة كانت تطبخها ستّي (جدتي) الله يرحمها و بسموها شوربة "مسلمة" (بس بعرفش ليش). و صار يحكي للكل إني طبخت شوربة " شبة مسلمة" (حسسني إنه شوربتي عليها حد الرّدة) عشانها بتشبه شوربة ستّي. عاد هات فهمه إنه شوبتي شكل و شوربة إمه شكل تاني. ـ
المهم موضوع الطبيخ مش جديد علي.. بعرف أساسياته بس الفضل أغلبه يعود للغربة و حقيقة انه الواحد ما بتعلم إلا لما ينرص! أول ما وصلت هديك البلاد كان أول قرار إلي إنه ما رح أكل دجاج أو لحمة بما إنه الذبح مش حلال و شخصيا ما عندي فكرة وين ممكن ألاقي ملحمة مسلمة. و بالنتيجة صفّى كل أكلي خضرة و بقوليات و غالبا باستا. اللي ساكنين معاي تحملوني شهر و بعدين قالولي هو إنت مطولة؟! خلص مشيها .. نفسنا بجاج. أنا الصراحة كنت زيهم و قلت الله يسامحني. ما كنت أشتري لحم أحمر (خوف أبصر شو يطلع) و أكتفي بطبيخ الجاج. ـ
بذكر أول مرة حاولت أطبخ فيها أكل بيخنة (يعني خضرة و جاج بمرقة و جمبيها رز) النتيجة كانت غير مشرفة و أصداءها ما تزال تروى على مسامعي من حين لأخر للتذكير (شجبا و إدانة) بالتعذيب اللي إضطروا جماعة السكن ياكلوه. على حد قولهم (اللي شكله مجامله) الطعم يؤكل لكن المنظر كان أشبه بكائنات حية تسبح في مستنقع. من كتر ما كنت معدّله جبت أكبر طنجرة عندي؛ طفحتها مي و حطيت أكمن مكعب ماجي و بعدي ضفت الخضرة عليها!! ـ
من يومها تعلمت من غلطي و صرت كل طبخة أضرب تلفون دولي على إمي أسألها تفاصيل كل طبخة و الحمد الله ربنا بيّض وجهي. حتى صارت الطبخات تنطلب بالإسم: المقلوبة (اللي كنت أسميلهم إياها
upside down )
و المجدرة و طبيخ اللبن غير الفاصوليا و اللوبيا و صواني الخضرة و الجاج و حتى القطايف أيام رمضان عملته بإيدي. و لإني معدلة كتير و بعرفش كيف أنقر كوسا و باتنجان إستسهلت الفلفل الحلو و عملتلهم محشي فلفل حبوه لدرجة إنه وحدة من البنات الهنديات بعتتلي إيميل خصوصي بعد ما تركنا بريطانيا و روحت على الهند تسألني عن طريقة عملها هي و المقلوبة . على قول زميل دراسة إلي: ـ
"I am not sure if you are going to be a better designer, but I am sure you are going to be a better cook”
بس في شغلتين للأسف تسود وجهي فيهم؛ الملوخية قد ما حكيتلهم عنها و تغزلت في طعمها.. لما طبختها شكلي طبختها زيادة عن اللزوم و كانت ملوخية ناشفة مش طازة. فلما كشفوا عن وجه الطنجرة و شافو منظرها و سوادها شنكت و جوهم و أنا تسود وجهي و لولا الجوع و الحيا مني كان كبّوا صحونهم بالزباله. طبعا من هداك يوم ما جبتلهم سيرتها. ـ
الشغلة التانية كانت الحمص. لما كنت أروح على السوبرماركت.. كان يبقى هناك نوعين؛ واحد صناعة إسرائيلية و واحد صناعة
بريطانية محلية. فالبداية ما إنتبهت و شريت الإسرائيلي اللي ولاد الكلب عاملينه زاكي و مسمينه
"sabra"
زي إسم مخيم صبرا اللي إرتكبوا فيه مجازرهم بحق الفلسطينين في لبنان. بعد أكمن مرة إشتريناه و كنت أنا أدمنت عليه و غيري جربه أول مرة في حياته و حبوه إكتشفنا الموضوع (اللي ما كان غيري سائل أو مهتم فيه) قررت إنه ممنوع حمص إسرائيلي. لكن للأسف النوع المحلي البريطاني كان طعمه ما بتاكل. ـ
في يوم من ذات الأيام كنت كتير متدايقة و رحت على السوبر ماركت و لميت كل الخرابيش اللي ممكن يدبها الواحد في بطنه عشان يزيل شعور الكآبة و للأسف كان من بينها الحمص الإسرائيلي اللي أخذته و لما رجعت على سكن ضبيته جوا جوا في التلاجة زي اللي عامل عمله عشان ما حد يكتشف. بس ربنا كان كبير و إكتشفوا الحمص و زفوني زفة محترمة و على قولهم: ـ
" you sold your soul to the devil for humos!"
من يومها قررت أعمل الحمص في البيت و قلتلهم و لا يهمكم! عملته مرة و مرتين و تلاتة و كان كل مرة ينضب في الثلاجة لحد ما يعفن و ينكب. يعني حتى أنا ما إستحسنت طعمه. ـ
من أجمل الأوقات اللي كنا نقضيها هي جمعت الفطور. و كان في إيام أعملهم فطور فلسطيني (أو بالأحرى عربي شامي) فيه جبنة عكاوي مقلية و زيت و زعتر و مربى عاملته خالتي و كانوا يطيروا فيهم. جد أدمنوا الجبنة و الزعتر اللي كانوا لا يقدروا بثمن خاصة الجبنة اللي كانت نادرة و مش رخيصة. ـ
ما كان الأكل العربي هو الوحيد اللي بنطبخ. كان عنا نظام؛ كل واحد بطبخ في يوم و اللي ما بطبخ بتوزع عليهم الجلي (و طبعا في ناس ما بعرفوا يطبخوا و راحت عليهم كل يوم عليهم جلي). كنت أكل الأكل الهندي اللي كان ينطبخ و كان جيد بس سبحان الله ما في زي طبيخ و أكل بلادنا. ـ