Saturday, September 22, 2012

سوريا في أزقة اسطنبول..


من المفترض ان اتحدث عن رحلتي التي لا أزال اجد أثرها في كنزتي الرطبه من جراء المطر و رائحة المدينة القديمة.. اسطنبول التي اسرتني برونقها الفريد الذي مزج بين الشرق والغرب في تفاصيل حياة قاطنيها وتضاريسها؛ استقبلتني واحتضنتني "بحرارة بالغة" وودعتني بدمع السماء الذي لم ينقطع.  لكن .. ما وجدته ايضا كانت سوريا التي لم تنفك لتظهر بين زاوية واخرى .. تطل بمأساتها منذ اللحظة التي بدأت فيها طريقي الى تركيا وحتى نهايتها بشكل غريب لم اتوقعه.

أصدقكم القول بأن جذوري الفلسطينيه كانت تتوق شوقا لتجيب السؤال الفضولي من اهل المدينة عن اصلي واقول "من فلسطين!" بكل فخر كوني طالما سمعت عن تعاطف الشعب التركي مع القضية الفلسطينيه.. مهما حاول الفلسطيني التخلص من  تلك النشوة والنزعة "الوطنية" التي تحوله الى الضحية الدائمة صاحب القضية والافضلية فلا بد ان يبقى منها بعض الأثر العالق في النفس. 

كان لابد ان يستيقظ الفلسطيني ويعي انه ليس الضحية الوحيدة في العالم الذي اغتصب حريته وحقه والارض والحياة الطبيعية. كان لا بد ان يستوعب انه وشقيقه السوري والمصري والليبي واليميني والبقية سواء.. ما هم الا ضحايا متشابهون لأنظمة دكتاتورية لا ترحم ولا تخلق فرقا بينها وبين النظام الصهيوني. باغطية تخفي وراءها ظلاما واحدا.

بينما كانت الطائرة تحلق بي فوق الأجواء السورية؛ كان المرور فوق مدنها وقراها المضاءة كئيبا وبطيئا.. ساعات الليل الظلماء تخفي بين طياتها مجازر ودماءا تسفك بلا نهاية. لم يسعني إلا ان افكر بكل هؤلاء العزّل الذين أحلق في عجل فوق رؤوسهم التي.. هل يا تراها تترنح؟ تدمي؟ جائعة؟ تصرخ طالبة الرحمة أم تنزف الما؟! اي حياة واي لحظات يعيشون ونحن نمر حتى بأخبارهم مرور الكرام.. تمنيت لو يقف بي الزمن وكذا الطائرة لحظات لأمد يدي إليهم بأي شيء حتى لو كان أملا زائفة بين الركام..

صورة من الجو فوق احدى المناطق السوريه بينما تظهر موقعها على الخارطة حين المرور فيها
*************

في اسطنبول على مفترقات الطرق وابواب المساجد يمكن ان تجد صورا ومحاولات استغاثة من الشعب السوري يمر بها القاطنون والزائرون دون اكتراث على حد سواء.. 

كان لي في احد شوارع المدينة القديمة قصة. فبينما كنت اسرع الخطى بها اصطدمت بمن استوقفتني لعدة دقائق لم استطع ان امحوها من ذاكرتي منذ ذلك الحين..
- مرحبا.. بتحكي عربي؟
- مرحبا.. ايوا بحكي عربي
التفتت الفتاة التي تبدو في العشرينات من عمرها الى جانب الطريق قبل ان تعود بالنظر الي وتبدأ التحدث.. 
- انا من سوريا جايين انا وزوجي وبنتي من حلب وحاليا منا عارفين وين نروح. الفنادق بتطلب منا مبالغ كبيرة واحنا منا قادرين عليها. هاي جوازات سفرنا السورية اذا منك مصدقتينا. احنا محتاجين اي نوع من المساعدة 
- مساعدة كيف؟ مصاري؟ اساعدكم في اجرة الفندق؟ (كانت الافكار تتنازعني بين التصديق والتكذيب)
- اي شي!
- انتوا شو الي جابكم من حلب؟  (سؤال غبي بس الصراحة كان لازم اسأل وانا شايفاها لابسة هي وبنتها وزوجها احسن لبس.. قلت يمكن اجو البلد وانسرقوا!)
طلعت فيي وقالتلي: انتي عارفة كيف الوضع هناك؟ انتي بتعرفي وين بنام كل ليله؟ في هذا المسجد (واشارة الى مسجد قديم مجاور).. من وين حضرتك؟
- من الاردن
- يعني بتعرفي كيف الوضع
- طب لما هربتوا شو جابكم على اغلى مدينه في تركيا!! مش عارفين كيف الوضع هون؟!
- الي هرّبنا هو الي نصحنا نيجي على اسطنبول لانه فيها عرب كتير ورح نلاقي الي يفهم علينا ويساعدنا

بدي اساعدها بس مش عارفة اذا اصدقها.. يعني معقول قطعت الاف الاميال لتهرب لهكذا مدينه سياحية؟! ام ان البطش والظلم قد يفقد الانسان بوصلته للمنطق ويجعله يهيم في الارجاء المعمورة لا يلوي على شيء؟

- انا الصراحة ما بحمل معاي مصاري كتير بالشارع (لانه جد ما معاي والمنطق انه انها بحاجة لمبالغ كبيره) .. انا اسفة
- اي شي! بنتي جوعانه ومش لاقيه تاكل!
نظرت الى الطفلة الصغيرة التي يحملها والدها وتسند برأسها على كتفه.. قلت في نفسي يلعن ابو الدنيا الي بتوصل الاطفال واهليهم لهيك حالة!

فتحت الشنطة وطلعت الي لقيته قدامي فيها.. كل ما استطعت اعطاؤه هو ممبلغ محدود وكم هائل من كلمات الأسف المتتابعة وكأنني احاول ان اعتذر لأمة كاملة عن مقدار الخذلان الذي اقدمه!
- أسفة أسفة أسفة.. هذا كل الي معاي!
نظرت الى المبلغ بشيء من الاحتقار وبعض من الصدمة وكأنها تقول لي "هذا كل الي قدرك عليه ربنا"؟؟؟!!!
اعطيتها المبلغ وتركت المكان في عجل وكأني اهرب بخجل شديد من الموقف. لم استطع التوقف عن التفكير بهم منذ ذلك الحين.

*************

خلال اخر يوم من رحلتي خلال زيارتي للبازار وانا القي بنظري على المعروضات بصعوبة ما بين حشرية البائعين وسؤالهم "من وين انتي؟" وهروبي من الجواب.. بعضهم يحاول استمالتي بالتحدث بالعربية لكن مع لهجة مصرية!! واخر مُصِر ان يعرف من اي بلد انا لاجاوبه "شو دخلك؟" وانا ابتعد عنه.. فتساءل "ها؟ من الصين؟!" قلتله بالزبط من الصين!! .. لكن من الطريف ان احدهم قام بالاجابه "من سوريا؟"
- yes from Syria
- oh yes i knew! Because of the skin colour!!
طيب!.. 
- how is syria now
من وين طلعتلي انت؟! اشرت اليه بيدي وهززت برأسي
- not so good
- yes yes! God be with you!

اعلم ان ما كتبته يحمل كمية كبيرة من التناقض واشعر بالخجل الشديد وكأن النفاق هو الحقيقة الوحيدة هنا.. لكن صدقا ان الحقيقة هي ان الحياة جعلت من الصعب تصديق اي شيء.. فأنا تحولت الى سورية في نظر البائع وربما غيري في حقيقته هو شيء اخر.. لا اعلم حقا ان كنت اجد عذرا لاخفاقي بمساعدة تلك العائلة او انه من حقي ان لا اصدق اي شيء في هذا العالم الكاذب..
في كل الاحوال هناك حقيقة واحدة.. فلو كنا نعيش عالما صالحا في ظل انظمة عادلة لما كنت سأقابل من يطلب المساعدة ولن اجد من يهرب من بيته في جنح الليل خوفا.

الله يلعن هيك عيشة.. يا خوف يوم من الايام اصير مثلهم لاني أكٌلت يوم أُكل الثور الأبيض!

*************

ملحوظة.. كتاباتي في رحلة العودة بدأ يتحول الى عادة!

8 comments:

Khaled said...

I liked the article, you got an impressive way in writing, do you have a twitter account?

Palestinian Princess said...

Thanks Khaled. I appreciate your feed back & I am glad you found my writing appealing.

I do have a twitter account @iq_iman

Haitham Jafar said...

7atta law kan amalan za2ifan bayn al rokam!

liked that a lot

liked all the descriptive style actually.

-------
Allah yoltof b 7alna ajma3een, Amen.
-------
no Arabic keyboard, so apologies :)

Palestinian Princess said...

I am glad that u like it :)

بالضبط! لطف الله هو ما نحتاجه واكثر لان الامور لا تؤول الا للاسوأ
------

متخيلة قديش حياتك صعبة بدون كيبورد عربي
:)

Whisper said...

كتريلنا من السفرات اذا لنضل نقرأ :)

الله يهونها عليهم و علينا
الله اعلم شو اللي ﺟﺎﻱ

Palestinian Princess said...

لو علي يا ستي كل يوم بسافر :)))

الله يعين على الايام الجاي

لبنــــــــــى said...

اخر سفرة لتركيا كان موضوع غزة ماخد عجلتو هناك .
كانز يسالوني من ايا بلد احكيلهم من فلسطين اعلبهم ما بيعرفوا وين هي للاسف لكن لو قلت غزة
كان الكل بيعرفها
و لو قلت اسرائيل كانو كلهم عرفوها بدون تلميح
المفارقات كانت غريبة
يعني لازم اعبر عن وطني باسم محتل
او جزء من القضية لانعرف
الله يعينا شو رح نشوف بعد هيك

و يعينا على الايام الجاية

تحية

Palestinian Princess said...

هاي مشكلتنا الدائمه يا لبنى
قضيه فلسطين حاضره بالاسم لا بالفعل والفهم بتفاصيلها مغيب لانه الدوله واعلامها غير معنيين بذلك

الحكومه التركيه ليست بأفضل من الانظمه العربيه الاخرى للاسف ومثل اردوجان بالضبط بس شاطر بالحكي

ع قولتك الله بعين

سعيده بمرورك